صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
4
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
داخلا في العلم الأعلى واستحسنه بعض الفضلاء وقال إنه طريقة حسنة وأقول كأن صاحب الإشراق نظر في التقسيم المذكور في صدر كتاب الإلهيات ولم ينظر في التقسيم المذكور في صدر كتاب المنطق حتى يعلم الفرق بين موضوع الحساب وبين الكثرة التي هي أحد موضوعات العلم الكلي ولا يقع فيما وقع واعلم أن أقسام الحكمة النظرية ثلاثة عند القدماء وهي الطبيعي والرياضي والإلهي وأربعة عند أرسطو أو شيعته بزيادة العلم الكلي الذي فيه تقاسيم الوجود لا حجر فيه إذ هو داخل عند الأوائل في الإلهي إذ لا افتقار لموضوعه إلى المادة ووجه الحصر أن الأشياء التي يبحث عنها في الحكمة النظرية لا يخلو إما أن يكون أمورا يجب أن لا يفتقر وجودها وحدودها بالمواد الجسمانية والحركة أصلا أو يفتقر فالأول هو العلم الإلهي والعلم الأعلى كذات الباري تعالى والعقول والوحدة والكثرة والعلة والمعلول والكلي والجزئي والقوة والفعل والوجوب والإمكان والامتناع وغير ذلك فإن خالط شيء منها المواد الجسمانية فلا يكون ذلك على سبيل الافتقار وهو فنان فن المفارقات وفن الكليات وموضوع هذين الفنين أعم الأشياء هو الوجود المطلق من حيث هو هو كما ستعلم وأما الذي يجب افتقاره بالمادة فلا يخلو إما أن يتمكن الخيال من تجريده عنها ولا يفتقر في كونه وجودا إلى خصوص مادة واستعداد أو لا يكون كذلك فالأول هي الحكمة الوسطى والعلم الرياضي والتعليمي كالتربيع والتثليث والتدوير والكروية والمخروطية والعدد وخواصه فهي يفتقر إلى المادة في وجودها لا في حدودها والثاني هو العلم الطبيعي والعلم الأسفل وعلوم التعاليم أربعة لأنها موضوعها الكم وهو إما متصل أو منفصل والمتصل إما متحرك أو ساكن فالمتحرك هو الهيئة والساكن هو الهندسة والمنفصل إما أن يكون له نسبة تأليفية أو لا يكون فالأول هو الموسيقى والثاني هو الحساب قوله ومن جهة ما هي متحركة أو ساكنة إلى آخره الأولى أن يقال من جهة استعداد الحركة والسكون لأن إثبات الحركة والسكون قد يكون مطلوبا في العلم الطبيعي بالبرهان كقولهم السماء متحركة والأرض ساكنة في الوسط وشيء من أجزاء الموضوع لا يكون مطلوبا في العلم الباحث عن أحوال ذلك الموضوع قوله الإشارة جرت في كتاب البرهان إلى آخره هذه الإشارة قد جرت في الفصل السابع من المقالة الثانية من الفن الخامس الذي هو كتاب البرهان من الجملة الأولى التي هي المنطق حيث قال ولأن الموجود والواحد عامان لجميع الموضوعات فيجب أن يكون سائر العلوم تحت العلم الناظر فيهما ولأنه لا موضوع أعم منها فلا يجوز أن يكون العلم الناظر فيها تحت علم آخر ولأن ما ليس مبدأ لوجود بعض الموجودات دون بعض بل هو مبدأ لجميع الموجود المعلول فلا يجوز أن يكون النظر فيه في علم من العلوم الجزئية ولا يجوز أن يكون بنفسه موضوعا لعلم جزئي لأنه يقتضي نسبة إلى كل موجود ولا هو موضوع العلم الكلي العام لأنه ليس أمرا كليا عاما فيجب أن يكون العلم به جزءا من هذا العلم ولأنا قد وضعنا أن من مبادي العلوم ما ليس بينا بنفسه فيجب أن تبين في علم آخر إما جزئي مثله أو أعم منه فينتهي لا محالة إلى أعم العلوم فيجب أن يكون مبادي سائر العلوم يصحح من هذا العلم فلذلك يكون كان جميع العلوم يبرهن على قضايا شرطية متصلة أنه مثلا كقولنا إن كانت الدائرة موجودة فالمثلث الفلاني كذا أو موجود فإذا صير إلى الفلسفة الأولى تبين وجود المقدم فيبرهن أن المبدأ كالدائرة موجودة فحينئذ يتم برهان أن ما يتلوه موجود فكان ليس علم من العلوم الجزئية ما يبرهن على غير شرطي انتهى كلامه قوله وذلك أن في سائر العلوم قد كان يكون لك شيء هو موضوع إلى آخره اعلم أن الكل واحد من الصناعات وخصوصا النظرية مبادي وموضوعات ومطالب فالمبادي هي المقدمات التي منها يبرهن في تلك الصناعة ولا يبرهن عليها في تلك الصناعة إما لوضوحها وإما لجلالة شأنها عن أن يبرهن فيها وإنما يبرهن في علم فوقها وإما لدنو شأنها عن أن يبرهن في ذلك العلم بل في علم دونه وهذا قليل والموضوعات هي الأشياء التي إنما يبحث في الصناعة عن الأحوال المنسوبة إليها والعوارض الذاتية لها كالمقادير في الهندسة والجسم من جهة صحة الحركة والسكون في العلم الطبيعي والإنسان من جهة ما يصح ويمرض في الطب والمطالب هي القضايا التي محمولاتها عوارض ذاتية لهذا الموضوع أو لأنواعه أو عوارضه وهي المشكوك فيها أو لا المبحوث عنها في العلم فالمبادي منها البرهان والمسائل لها البرهان والموضوعات عليها البرهان والغرض فيما عليه البرهان الأعراض الذاتية قوله إن الحكمة أفضل علم بأفضل معلوم أما أنها أفضل العلوم لأن علمها علم يقيني لا تقليد فيه بخلاف سائر العلوم فإن بعض مقدماتها مأخوذة مما فوقها على سبيل التسليم والتقليد وأقل ذلك التصديق بوجود موضوعها إذ موضوعات سائر العلوم إنما يتبين وجودها في هذا العلم والعلم الذي لا تقليد فيه هو أفضل من غيره وإما أن معلومها أفضل المعلومات لأن المعلوم بها هو الحق تعالى وصفاته وملائكته المقربون وعباده المرسلون وقضاؤه وقدره وكتبه ولوحه وقلمه والمعلوم في سائر العلوم ليس إلا أعراضا وكميات وكيفيات وحركات واستحالات وما يجري مجراها واعلم أن فضيلة العلم إما بفضيلة موضوعه أو بوثاقته دلائله أو بنباهة غايته وثمرته والكل موجود في هذا العلم أما الموضوع فقد علمت وأما الدلائل فأوثقها وأحكمها هي البراهين المستعملة في العلم لأن مقدماتها ضروريات أزلية دائمية فهي المعطية للم الدائم من غير تقييد بما دام الوصف أو ما دام الذات أو غير ذلك وأما الغاية والثمرة فلا غاية ولا ثمرة لعلم أو صناعة فوق أن يصير به العقل الهيولاني